Friday, January 1, 2010

حلم الحياه




حلم الحياة

صوت ميكرفون المدرسة يعلو بأسمى حاملا معه نسمات ريح غير طيبة لصوت مشرف المادة الرتيب , اعتدت أن أتجاهل نداءه و أعتاد أن يعيد تكرار النداء دون ملل , أضطر أن أجيبه لأوقف نزيف ضوضاء ندائه الذي لا ينتهي .
أصرخ من الدور العلوي حيث تقبع فصولي التي اسكن إلى جوارها متناغمة مع نسمات بناتي الصغيرات , محاولة إغفال كل ما يدور حولي عداهن : ماذا تريد ؟
اهبطي  للحظة ؟ أتأفف في ضجر و أهبط لأرى ماذا يريد ؟
عند وصولي إليه في فناء المدرسة يكن وجهي يحمل تساءل صامت ؟
يبادرني بطلبه : عايز عشرة جنيهات لعمل وسائل تعليمية تحتاجها المدرسة
أعود فأسأل اليس هناك ميزانية بالمدرسة لعمل تلك الوسائل؟
يتململ في وقفته : يا أستاذة  كبري دماغك المدرسة دي مكان أكل عيشنا و لازم نحافظ عليه
أنا في برود ظاهري: مش فاهمة , ماذا تعني ؟
مستمرا في ضجره و تململه :-  أنت تفهمي جيدا ماذا أعني كفاك جدالا جميع زملائك دفعوا المبلغ في صمت
تجتاحني حالة من الانقباض و الرغبة الملحة في العناد المختلطة بالغضب المكبوت ,
: أنا بقى لن أدفع فليس لي عيشا آكله في هذه المدرسة بخلاف مرتبي الذي أتقاضيه و ليس من ضمن بنوده  المساهمة في تكلفة الوسائل التعليمية التي على حد علمي أن دوري الوحيد فيها هو الإشراف على الطالبات أثناء تصميمهن لها بأيديهن و تحت ملاحظاتي .
يبدي غضب ظاهري  : لا فائدة فيك عموما , أنت حره سأبلغ مديرة  المدرسة و تصرفي أنت معها .
حينها لم أمتلك سوى ان رفع  كتفي مدعية أن الأمر لا يعنيني , بينما شعور بالقلق يملأني ,حيث أن هذا نذير ببدأ حرب جديدة في هذه المدرسة التي لا تنتهي معاركها الوهمية بعيدا عن دور أساسي خلت يوما أنه دوري الذي سوف ألعبه بها و هو معلمة داخل مؤسسة تعليمية .

حركة عشوائية غير منتظمة شعور بإرهاق شديد بلا مجهود حقيقي , أحاديث جوفاء تدور في دوائر مغلقة يقطع سيلها الممل الصاخب نداء جديد و كأن العالم فرغ إلا منى فأصبح أسمي هو نقطة الارتكاز الذي يدور بعيدا عنها عالم رحب ليطبق عليها هذا العالم القبيح الذي أختلت فيه كل المفاهيم لحد الشعور برغبة حقيقية في أن تكون أبله تسير في ركب هذا القطيع مغيب العقل و الرغبة في الحلم و ربما الرغبة في الحياة من الأساس .
أعود بملل حقيقي للإجابة على هذا النداء التالي الذي  يأتي من حجرة مديرة المدرسة الذي يبدأ عندها كل النهايات , و بنفس الضجر و التثاقل المختلط بعناد وحيد بلا نصير,  أذهب لأكرر نفس عباراتي التي سأمت من تكرارها لتقابلني بتلك ألابتسامه الباهتة ,  فتقلب في رأسي كل المعاني
المديرة : ازيك يا بنت يا نرفوزة انت , أغتصب من روحي  ضحكة زائفة بلا إجابة
تعيد علي نفس السؤال مش عايزة تشارك المدرسة في أنشطتها  ليه
أرد على سؤالها بروح ضجرة:-  هل كلفت بعمل و لم أقم به ؟
الأستاذ المشرف يشتكي منك كثيرا !
أسألها بصراحة دون مواربة:  هل المساهمة المالية المطلوبة لعمل تلك اللوحات المسماة بوسائل تعليمية مقابل التغاضي عن فعل الدروس الخصوصية الذي يرتكبه معظمنا في هذه المدرسة
يختلط عليها الأمر و لا تجد إجابة سريعة ,  ثم يشع من عينيها بريق من أكتشف حلا : طيب لو أنت معك باكو بسكوت و أعطيتني  واحده منه هل معنى ذلك أني أجبرك على هذا ؟ الست تدفعي مع زملائك لشراء طعام دون اعتراض ؟  مش ممكن تدعوني لمشاركتك في هذا الطعام ؟!!!
 تبدو الحيرة و البلاهة على وجهي و لا أجد الكلمات فقد ضاعت كلها في سلسلة من التبريرات الوهمية للسير الدائم إلى حافة هاوية تفتح لنا جميعا فمها بنهم مخيف  .
 تكمل حديثها : هذا ما نريده منك فقط المشاركة الودية بينك و بين المدرسة , لا أحد يجبرك على شئ ,  فقط لا نريد منك سوى المودة , لا تثيري غضب زملائك عليك  فلن يبقى بينك و بينهم  في النهاية سوى المودة .
أشتم رائحة تهديد محلاه  بالعسل  , غثيان لا ينتهي ,  كلمات مبعثرة  , عبارات تائهة , طريق ضائع مبهم .
  وحدي أطنطن عما هو مفروض أن يكون  وحدي أعزف نغمة شاردة يأبى أن يسمعها أحد , أدير وجهي متوجهة إلى الخارج على أجد هواء أملأ به رئتي المختنقتين  .
وسط شرود لا أجد سبيلا للخروج منه أرتقي درجات السلم , تتراءى لي صورتي و أنا أقرأ بنهم الكتب الخاصة بعلوم التربية في سنوات دراستي بالكلية حالمة أني سوف أطبق كل ما فيها فور تخرجي و أعيد إلى عقلي صورتي و أنا أحمل كتب تكنولوجيا التعليم أثناء دراستي في معهد البحوث التربوية و كيف أن جزء الوسائل التعليمية كان يفرد له الصفحات الطويلة لشرح أنواعها الكثيرة المتشعبة التي من الممكن ان تكون خامات بسيطة من البيئة , يشكلها الطالب بيده لتربطه  أكثر بالمعلومة و تعوده الاتصال بالبيئة والمجتمع المحيط به فلا ينمو لديه هدا الشعور القائم بأن المدرسة كيان مقبض معزول عن كل ما حوله , أعود فأتذكر  كيف أنه كان هناك فصل طويل يشرح ضرورة وجود مسئول عن هذا الفرع من تكنولوجيا التعليم قائم بالمدرسة و أن دوره الأساسي تشكيل لجنة من الإدارة و المعلم و المتعلم و ولي الأمر لمناقشة نوعية الوسائل التعليمية المناسبة لميزانية المدرسة و احتياجات المتعلم و احتياجات المجتمع المحيط به,  ضحكة ساخرة تنمو بين شفتي , كل هذا أختصر  في مجرد لوحات كبيرة ملونة تعلق على حوائط المدرسة الخارجية بفجاجة راقصة في فرح بلدي ترتدي من الترتر اللامع و الألوان المزركشة , ما يلفت الأنظار إلى مفاتنها و يبعدهم عن فكرة إن كانت ترقص حقا أم تتلوى  ,أفيق من شرودي  لأجد بوابة الفصل أمامي أزيحها محملة بأريج أمل  يعبق روحي و يأبى أن  ينقطع رغم كل ما يدور حولي من صخب.
 تتجمع بناتي الصغيرات حولي في حفاوة تجذبني عنوة تجاههن  , أبدأ في التناغم معهن محاولة إضاءة شمعة الحياة التي يحاول الجميع إطفائها .
 تقف أسراء تلك الفتاه الحالمة لتسأل ببراءة تكفي العالم و ربما تفيض , ما  الذي يمكن دراسته لأصبح رائدة فضاء ؟ تختطفني عبارتها من دائرة غثياني الدائم   , أجيبها ضاحكة : و لماذا تريدين أن تكوني رائدة فضاء؟
 تجيب بطفولتها المحببة : لأطير في فضاء رحب لا نهاية له
 تتعالى ضحكاتي و أنا أجيبها
:دعيني  أفكر قليلا  ........... لتطيري في فضاء رحب بلا أسوار , ليس عليك سوى أن
تفردي  أجنحتك المطوية  , ترفرفي شاخصة ببصرك للإمام دائما , فخلفك  يقبع عالم قبيح  .

Monday, December 14, 2009

من نحارب و لحساب من




 من صندوق العجائب و الأحلام الذي تزدحم بها رأسي الغارقة دائما في عالم أحلامها الصامت , مزجت بين  صورة المرأة التي ترأس مؤسسة تعليمية (مدرسة) من أكبر المدارس في إدارتنا النائية  , يشار لها بالبنان و تعامل على أساس أنها مدرسة من مدارس الأحياء الراقية ضلت طريقها إلينا و صورة النساء حاملات راية التحرر من قيود مجتمع ذكوري نتوهم أنا نحيا فيه , مندفعة وراء  قوة كل الروايات التي سمعتها عنها من بعد  و غازلت خيالي  الخصب ,قررت الانتقال و العمل بهذه المدرسة , محاصرة و مستغرقة تماما  بصورة عن مديرة مدرسة أنيقة  واعية جميلة الخصال , قوية الشخصية , تقود عدد لا حصر له من العاملين , معلمين و إداريين و الآلاف الطالبات داخل أطار هذه المدرسة و ظلت الصورة تعلو في مخيلتي  فوق كل التحذيرات التي قابلت قراري من قبل بعض زملائي في المدرسة التي  كنت أعمل بها  و التي فسرتها من خلال اعتقادي الخاص على انها مجرد  رفض لفكرة وجود أمرأة قوية قادرة على ان تكون رئيسة و قائدة  ناجحة في مكان ما و تم لي ما أردت و نقلت إلى هذه المدرسة .
اول يوم لي بهذه المدرسة وجدت عدد لا حصر له من المدرسات في المدرسة مع نسبة قليلة من المدرسين , لم اعر للأمر اهتمام , فقد بدا لي الأمر طبيعيا , مدرسة بنات لابد أن تحمل عدد كبير من المدرسات و لم أتصور لحظة أنها تختار العاملين عندها بعناية فائقة أو أنها تستغل سلطتها فتقبل أو ترفض من ينقل إلى مدرستها من خلال درايتها بتاريخة السابق للعمل بالمدارس الأخرى أو لأنها تعلم أن النساء في العموم يسهل اقتيادهن لأنهن مستعدات مسبقا للقهر و الإرهاب  دونما مجهود خارق منها عكس المدرسين الرجال الذين يغلب عليهم القدرة على إثارة الشغب .  حملت أوراقي و ذهبت للقاء مديرة المدرسة بشوق حقيقي للقاؤها , من الوهلة الأولى  انهارت الصورة الخارجية التي رسمتها لها في مخيلتي  , امرأة ضخمة الحجم متدثرة داخل ملابسها الفضفضة في محاولة يائسة لإخفاء سمنتها المفرطة , ضاعت الصورة و لكن بقى الحلم ببقاء المضمون داخل الصورة ,  فهل بقى المضمون حقا ؟
تقدمت لها بخطى وجله يشوبها كثيرا من الخجل و الاضطراب  ,هكذا انا دائما عندما اعبر عالم جديد بعيد عن نسيج خيالي الخاص فأبدو للناظر كطفلة ضلت طريقها بعيدا عن حضن أمها الدافئ في ليله مطيرة قارصة البرد , ربما هذا المنظر أرضى غرورها حتى الموت فقد اتسعت ابتسامتها و رحبت بي بحنان أمومي خلته صادق في البداية  , هدأت نفسي و استكانت على أن المضمون مختبئ داخل الصورة  الخارجية المنهارة .
 ظللت أدافع عنها في كل مناسبة , نافضة عن رأسي كل الروايات التي تبرعت بها تلك الفتاه الرقيقة ضحى التي كانت تحكي عنها فظائع  جعلت الأمر يلتبس علي , فضحى فتاة طموحه مشرقة محبه للحياة , سافرت في بعثة للخارج بمنحة تعطيها لنا الوزارة مقابل اجتياز اختبار التيفل في اللغة الإنجليزية و قد اتفقنا انا و ضحى في هذا الأمر وكنا نجلس معا نحكي عن ذكرياتنا و أحلامنا التي تشبعت بها قلوبنا من تلك النفحة الاروبية التي تنفسنا عبيرها خلال ثلاثة أشهر  , لتعود كل واحده منا حامله وهمها على صدرها طامعة أن تعبر به نفق مدارسنا  المظلم .
ومع إصرار ضحى على إخراجي من وهم أعجابى الخيالي بتلك السيدة دخلنا انا و هي في دائرة لا تنتهي من الحكايات , كانت تمتزج بمحاولتنا المستميتة لحفر أسمائنا في عالم لا يدرك حتى مجرد وجودنا .
ضحى :- مافيش فايده حاولت كثيرا و لكن لا احد يسمع او يجيب وعندما حاولت الاستفادة الشخصية من كم الشهادات التي حصلت عليها اكتشفت انها لا قيمة لها خارج جدران وزارتنا الميمونة.
يومها أخبرتها و انا سابحة في عالم الأحلام : لم تحاولي جيدا , لما لم تعرضي أفكارك على الأستاذة نعمات مديرة المدرسة ؟
نمت ابتسامة ساخرة على وجه ضحى : حاولت كثيرا صديقتي و لكن لم تسمع ولم تهتم .
بدا تساءل و استغراب يشوبه عدم تصديق على وجهي : ولكن أرى أنها تحاول بدأ تطوير المدرسة و النهوض بها سمعت كثيرا عن نشاطها قبل أن آتي إلى المدرسة .
ضحكت ضحى بمرارة شديدة  : نشيطة فعلا في فرض سلطانها على المدرسة و اقتيادنا كعبيد نلهج بالشكر و الثناء لها فقط و حتى هذا لا تقبله إلا من قله و أظن أنها لن تقبله حتى منك برغم صدق إعجابك بها .
لماذا ؟ انطلق سؤالي يحمل نبرة غاضبة
فأجابتني دون اكتراث و كأنها تقول لي برغم سذاجتك الواضحة إلا أن هناك بريق يخرج من عينيك تراه تلك المرأة جيدا و لن تقبله .
أتذكر يومها أني نظرت إليها ببلاهة حقيقية ففي هذه اللحظة اختلط الأمر على و لم اعد افهم شئ
انطلقت ضحى تحكي بعض الروايات الخاصة بأفاعيل تلك المرأة ناعمة الملمس كالأفاعي  و هي تسأل هل تذكري هذا المدرس الطويل اسمر الملامح الذي أختفي من المدرسة بعد مجيئك بشهر تقريبا ؟
أجبتها بنعم هذا المدرس الذي تلاعب بورق الكنترول و طالبت هي بنقله كعقاب بسيط مدعيه أنها تحاول حماية مستقبله من الضياع
أجابت ضحى :أجل هو , لا أستطيع حتى ألان نسيان نظرته المكسورة و هو مطأطأ الرأس أمامنا جميعا بعد أن شهد الجميع عليه بما فيه زملائه المقربين له الذين كان يعدهم أصدقائه , شهدوا على انه تلاعب بأوراق الكنترول و قلوب البنات المراهقات الذي استغل هيامهن بملامحه و سنه الصغير ليلهو بهن , عندما  أخرجت أوراقها التي سجلت عليها تلك العبارات و بصم الجميع دون أن يطرف لهم جفن و لم يتذكر أحد منهم أن دورهم آتي يوما ما.
 للأسف  الجرم الوحيد الذي ارتكبه  هذا المدرس انه ظن أنها قلب أم حاضن له فقد كان حقا طفلها المدلل في المدرسة , تضعه على رؤوس الجميع  , ليكن عصاها التي تضرب بها وقتما تشاء و لكن الفتى كان و لحظه  العسر يحمل ضميرا  مستيقظ على غير العادة أو على غير ما توقعت , فأثناء عمله بالكنترول ليلا في نهاية العام فوجئ أن هناك تلاعب واضح في درجات بعض الفتيات فحمل الورق و قام بتصويره و لسذاجته المفرطة حمل صور الأوراق  إليها و كانت النهاية أنها أخذت منه الصور  و طمأنته ثم كان ما كان .
مازلت ترينها امرأة رائعة و ما يقال عنها حقد على امرأة ناجحة في عالم الرجال ؟
نظرت إليها بعين زائغة لا تعي من الأمر شئ , أحدق في وجهها بشده علها تكمل حديثها فتضع قدمي المرتجفة على ارض صلبة و لكنها بدل من أن تفعل ذلك ألقت بالكرة الدوارة كلها في ملعبي الأسطوري علي اطوي أجنحتي التي أطير بها عاليا بعيدا عن واقعنا الأليم .
 جربي أنت بنفسك , ألم تبدي أي ملاحظة على ثيابك حتى ألان ؟ أجبت بالنفي ,ضحكت و قالت لي تريد ان تعرف أكثر عنك فصمتك الدائم لا يعطي انطباع كافي عنك  , سيحدث الصدام قريبا .
و حدث الصدام :  يوم قررت أن أذهب لأعرض عليها أفكاري و اخبرها بالسلبيات التي توجد في معمل الأوساط التعليمية و معمل العلوم بما لا يتناسب مع رغبتها الواضحة من كلماتها التي تلقيها على مسامعنا في كل مناسبة وكل اجتماع و انه يمكن بأفكار بسيطة تعويض النقص و لكن هذا يحتاج مساعدة المسئولين عن المعملين و لم أكن اعي وقتها أني أضع أولى خطواتي داخل عش الدبابير كما يقال فهذان المكانان تحديدا هما الوكر الذي يختبئ داخله حاشيتها التي تحيط بها محدثة شبكة من المصالح الشائكة التي يصعب استيعابها أو محاولة الاقتراب منها حيث الميزانيات المدرسية المنهوبة  و أن حاولت أن تفهم أو تقترب  سيكون المصير المنتظر  كمصير هذا المدرس الذي خرج مكلل بالعار لأنه حاول بنفس السذاجة الحالمة اجتياز أحد  أبواب هذا  العش .
لم أنسى حتى ألان نظرتها الغاضبة المغلفة بكراهية تكفي العالم وهي تخبرني أن المعملان على أعلى مستوى وتتساءل  من أين أتيت بكل هذه السلبيات الوهمية ؟
 و في سرعة ومهارة قد يفشل أعظم الممثلين اجتيازها  , لانت نظرتها , لتعود و تحمل نظرة ألام آكلة أطفالها وهي تلقي  بقطرات سمها في وجهي  :أنت جميلة و صغيرة ,  لا ترتدي تلك الجيب التي تكشف جزء من ساقك الأبيض , عندنا مدرسين لا تفوتهم فائته و فتيات صغيره نحن قدوة لهن حينها  تجمدت أوصالي و لم استطع أن انطق أو أحرك ساكنا !!

Thursday, November 19, 2009

وباء لا مصل له




و باء لا مصل له
أعشق البدايات , أندفع ناحيتها  بحماس و حب شديد ,يفتر بعد فترة لا أنكر ذلك و لكن دائما يكون هناك بداية جديدة , مثل بداية عام دراسي جديد , أقبل عليه بشوق و حلم بأن هذا العام سيكون أفضل من سابقة, أحساس لازمني طوال سنوات دراستي و استمر معي حتى ألان تنتابني حالة من السعادة الغير المبررة مع بداية العام الجديد , في المدرسة دائما هناك جديد رائع بعيدا عن كل ما هو عطن , فاسد  مثل أللقاء بطالبات جدد يحملن بعض من ملامح الطفولة  التي تتصارع مع مظاهر البلوغ البادئة في التوغل داخل روحهن و أجسادهن , اعشق أن أراقبهن و هن يكبرن أمام عيني كل عام اشعر أني  دائما أولد معهن محملة بحياة جديدة .
لكن هذا العام حتى تلك الاشراقه الوحيدة في مدارسنا العامرة بكل  مقبض و بغيض لا مكان لها فقد وجدت الوزارة طريقة رائعة لغلق الدائرة تماما حول أعناقنا   لندور في دائرة العمل العشوائي  المختلط برعب الوباء القادم من خلال إحتياطات وهمية للوقاية وحماية الصغار من الوقوع في براثن هذا الوباء.
   و لكن ما هذا الوباء هل هو أنفلونزا الخنازير هذا الرعب المسيطر على عقولنا جميعا أم ان هناك وباء أخر بدأ  التوغل داخل أرواحنا .
شيماء فتاه جميلة تلهو كطفلة , تعلو ضحكتها المرحة , تجري و تلعب مع صاحباتها , أراقبها بحب يشوبه بعض الضيق  ,أتساءل داخل أرجاء ذاتي ما سبب هذا الضيق الذي يعتريني كلما رأيتها تجري و تلعب؟  أليس من حقها ذلك ؟ أكره مشهد جريها المتعثر و هي مكبلة داخل هذا الرداء الغريب الذي لا يتناسب مع طفولتها المتدفقة, فهي مختفية داخل هذا الإسدال العجيب ماذا يريد أن يخفي أهلها , ليحاصروا طفولتها داخله , كم اعشق ضحكاتها البريئة .
في هذا اليوم استوقفتني أم متخفية تماما لا يظهر منها حتى بريق عينيها مرتديه هذا السواد الذي أصبح يحاصرنا  في كل مكان وقفت أحاول كبت ضيقي , أحدثها و هي تسأل عن أبنتها , ثم بدأت في الحديث الذي جاءت من أجله , تطلب مني خدمه ترجو أن أستطيع تحقيقها لها أنظر إليها متسائلة ؟ تخبرني أن فتاتها تجلس بجوار فتاه مسيحية تحمل في حقيبتها أيقوناتها و تخرجهم لتريهم لابنتها و هذا يشعر ابنتها بالانقباض و الخوف , تتكلم بحزن وخوف حقيقي نحن لا نحب المسيحيين و ابنتي لا تريد أن ترى صورهم , أرجو أن تنقليها من هذا المكان  , انظر إليها و حيره عارمة تتملكني , لا أستطيع أن أحرر جواب أسأل الفتاه هل صديقتك تضايقك في شئ  أراكما متحابان تلعبنا و تجرينا و تأكلنا معا , تومئ الفتاه برأسها علامة الموافقة لكنها تعود لتنظر إلى أمها و يبدأ الاضطراب يسري داخل الحروف و الكلمات المبعثرة من فمها الصغير:  أخاف من تلك الصور التي تحملها و أمي تخبرني أنهم كفار و سيدخلون النار لا أريد أن اجلس إلى جوارها .
غربه شديدة , يتعال في تلك اللحظة صوت الأذان يملأ أرجاء المكان و ينتشر الصمت أحتراما للكلمات وتبدأ ألام في الترديد معه حتى ينتهي و أنا انقل بصري بينهما و هما متدثرتين بأثمالهما الكثيرة و السواد التي تلتحف به الام و تريد نثره داخل قلب ابنتها الغض فتنقلب البراءة الطفوليه إلى خوف و غضب و نفور حتى من صديقة لهوها الطفولي .
على مسافة ليست ببعيدة من تلك المرأة و الابنة,  تقف مجموعة من الفتيات متحصنات بأنفسهن معتزلات الجموع التي تدور حولهن جميعهن بدون غطاء للرأس يتحدثن و يتضاحكن, جميعهن مسيحيات لا تجد بينهن صديقة واحده مسلمه و عندما  ادرت ظهري لتلك المرأة متوجهة إليهن ساد صمتا بينهن و بدأن في محاولة فاشلة ومضطربة تغير دفة الحوار الدائر بينهن حتى انطلقت إحداهن ببراءة و عفوية غير مقصودة وسط نظرات الغضب و التحذير التي تحيط بها  تخبرني ان صديقتها أخبرتها أنها سوف تتدخل النار  و لما لا تدخل صديقتي النار و ادخل انا الجنة , فسألتها و لما ترهقي عقلك بهذا الأمر دعي الجنة و النار لخالقهما أنت ألان على الأرض ومازلت تعيشي , لما تتحدثي أنت و صديقتك عن ما بعد الحياه؟ , هزت الفتيات الرابضات إلى جواري رأسهن و هن يحاولن نفض ضيقهن من كل ما يدور حولهن في هذه اللحظة أشرت  للفتاه الواقفة بجوار أمها فجاءت الى مسرعة و أمسكت بيد تلك الفتاه الأخرى
و سألتهما ألستما صديقتان , فهززنا رأسيهما علامة الموافقة , ابقيا على هذا و لتسمعي آذانك و ترددي معه كيفا تشائين و أنت تأملي أيقوناتك و احفظيها داخل روحك كما تشائين أنت أيضا
وقفتا الفتانتين متقابلتان يعلو وجهيهما علامات من الإقبال  و الحب يشوبوهما الاضطراب و الخوف و في خلفية لقاءيهما المضطرب تقف ألام المتشحة بالسواد و الفتيات المتحصنات بأنفسهن معتزلات عن كل ما  حولهن , يحملن داخل طيات روحهن المضطربة عبارات تتردد داخل عقولهن الصغيرة  تنطق بنفس الغضب و الاحتقان و الوعيد بنار تأكل العقول و الأرواح  الحرة و تشيع داخل النفوس وباء لا مصل له و لا وقاية منه  .    

Friday, October 2, 2009

صورة أخرى على أرض الواقع



و بعد دوران دائم استمر عامين كاملين, حامله خلالها ورقة خطت عليها طلب نقل من القرية التي عملت بها طوال العامين, كنت فيها مصدر لسد عجز مدرسي مادتي في كل القرى المجاورة لمدينتي لا لشئ إلا أنني لا وساطة لي سوى عملي الذي أقوم به بجد و نشاط ,استجاب التوجيه المسئول عن تحريك المدرسين خلال المدارس لمطلبي أخيرا وتم نقلي لمدرسة بالمدينة التي أحيا بها و قد أعطاني هذا شعور ضئيل بالارتياح لتخلصي من عناء السفر اليومي إلى القرية التي اعمل بها داخل عربات اقل ما توصف بها انها لا تصلح للاستعمال الآدمي و إنها يمكن إن تنقل ماشية لا بشر تذهب لقضاء مصالحها و توقف بهذا النقل النزيف الدائم لراتب شهري مستنزف قبل استلامه لضآلته الشديدة .



وصلت إلى المدرسة الجديدة لاستلام عملي و أول من التقيت به هو مدير المدرسة , شخص يدعو إلى الانقباض لمجرد رؤيته تبدو على وجهه ملامح الخبث و الدهاء دون ان يتكلم ,حاول من أول لقاء أن يبث داخلي كل مشاعر الخوف و الرهبة ليشعرني انه يقود المدرسة بيد من حديد, لكن ما نجح في أن يوصله إلى بجداره ليس الخوف و لكن الضيق و ربما الاشمئزاز أحيانا .






وتدريجيا توصلت الى أسباب الشعور الذي نما داخلي منذ اللحظة الأولى للقاءي مع هذا المدير و ذلك من خلال مراقبة ما يدور حولي من بعيد دون تفاعل حقيقي , فقد أفقدتني المدرسة السابقة أي رغبة في التفاعل وكنت كل ما ارغب فيه بصدق هو اداء عملى ثم الفرار سريعا الى بيتي و الاختباء داخله بعيدا عن عالم لا امتلك آلية التعامل معه او فهم طبيعته.


الطلاب هنا تتباين طبائعهم و أن كانت تتفق في شئ واحد هي الجرأة الممزوجة باللامبالاة وعدم الرغبة الحقيقية في التعلم, علاقتهم بالمعلمين شائكة يغلب عليها تجاوز جميع الحدود و الاستهانة بكل من حولهم وعلى الجانب الاخر يتقبل المعلمين هذا الأمر بسماجة الذليل الذي يجامل مالك قوته حتى لا يفر منه الى اخر حيث المنافسه قوية بين المعلمين على اجتذاب الطلبة و التأثير على عقولهم ليكونوا زبائن لهم في المجموعات المدرسية و الدروس الخصوصية ,مما يخلق مناخ غريب يصعب فهمه و تجد أمامك تشابه كبير بين علاقة المدير بالمعلمين و علاقة المعلمين بالطلبة , حيث يفتح المدير درج مكتبه لكل من يمتلك القدرة على المنح من العاملين بالمدرسة , وهؤلاء يكون لهم كل الحظوة عنده دائما , يجيئون و يذهبون من و الى المدرسة و قتما يشاؤنا بينما يظهر صالح العمل و مراعاة الضمير فجأة لمن يكون خارج هذه الدائرة المغلقة داخل المدرسة .


إبقاء على عهد أخذته على نفسي بأن اكتفي بدائرة خاصة بيضاء بعيدا عن عالم كل دوائره سوداء مظلمة لا امل فيها ظللت ارقب كل هذا من بعيد .


ربما احيانا كنت اشعر بمتعه شريرة و انا امسك القلم الأزرق لأخط الإجابات داخل ورقة الإجابة الخاصة بالطلبة في امتحانات نهاية العام و اعيد تصحيحها و تنجح الورقة بعدها متوحدة تماما معها و كانها هبطت من عالم اخر لا علاقة لي به و لا بصاحب هذه الورقة.


لم اعد احدث ضجيج على ما يحدث داخل اللجان فليفعلوا ما يريدون ليس بالضرورة ان اكن المكلفة الوحيدة بأنقاذ عالم هؤلاء الطلبة من الضياع .


أحيانا تجد نفسك و قد اصبحت ترس مكمل لدوائرهم العطنة تنسج خيوط قوية من المبررات


تمنحك تصالح ظاهري مع نفسك مستسلم تماما لكل ما يحدث حولك بل و مشارك فيه أيضا لكن هذا لا يستمر طويلا تجد ان هناك من يتسرب داخل عالمك الخيالي يفسده و يحرك ماءه الراكدة فتزكم انفك رائحة العطن الذي غرقت فيها و انت تسبح داخل سماء تبريراتك .


ذات يوم دخلت الفصل في حصة أضافية يطلق عليها (حصة احتياطي بدل مدرس زميل غائب )و حملت معي كتاب اعتدت حمله للقراءة فيه وقت فراغي بالمدرسة ,كتبت بعض الأسئلة على السبورة وتركت للطلبة حرية الاختيار فبدأ بعضهم بتسجيل إجابتهم في ورق و البعض الآخر تجمعوا ليكملوا حكايات قد بدأت بينهم قبل وصولي إلى الفصل و أخير من تجمعوا حولي احكي لهم ما في الكتاب و نطرح مع بعضنا الأسئلة و نحاول أن نجد لها حلول , ما الداعي في أن أقيدهم داخل مقاعدهم الصغيرة و أظل اصب على رؤوسهم معلومات , صماء لا روح فيها وفجأة أثناء اندماجنا في حلقاتنا المختلفة داخل الفصل بين الثرثرة المرحة و التحاور الجاد في المواضيع التي يضمها الكتاب الذي احمله و البعض الذي يحل الأسئلة الدراسية و يقبل ليسألني في بعض ما يستعصي عليه فهمه و أحاول شرحه له ,أفقنا على صوت دفع الباب من الخارج وإذا برجل غريب عن المدرسة وسط الفصل يسأل عن المعلمة و عندما أجبته بأني هي المعلمة الموجودة داخل الفصل , تملكته ثورة عارمة مبديا استياءه من الضوضاء التي بالفصل و هجم على الكتاب الذي في يدي وزادت ثورته عندما وجده كتاب عام لا صله له بالمنهج التعليمي الذي ادرسه و أخذه معه و هو خارج على أساس انه امسك في يده جسم الجريمة ,لم امتلك القدرة على الرد و لم يترك لي هو مجرد ترف المحاولة و خرج يكيل الإهانات و الاتهامات لكل من يقابله من العاملين بالمدرسة حتى جرت دماء الغضب في عروق احد المعلمين و انهال عليه بالضرب و السباب و كانت النتيجة انه أحال جميع المدرسة إلى التحقيق, فقد كان متابعة من وكالة الوزارة جاء لتصيد الأخطاء, فكل مخالفة قانونية نرتكبها تضاف إلى رصيد حوافزه المادية و تمت مجازاتنا جميعا ,هذا الجزاء الذي لم ينفذ لان احد المجازين معنا كان قريب لعضو مجلس شعب حمل تظلمنا و رفع عنا الجزاء !!!!


استمر عملي بهذه المدرسة عامين أخرين ترتعش فيه مياه حياتي بين ركود و كدر عفن لا نهاية له أنجبت فيها طفلي الأول و امتلأت حياتي بأحلام جديدة له هو فقط نسيت فيها تماما أني أعمل في مدرسة أو أني في يوم ما حلمت أن أكن هذا الرسول الذي يسعى لنشر رسالته على من حوله كما ظلوا طوال أعوام عمري الأولى يلقنونا هذا البيت الشعري عن المعلم الذي كاد أن يكون رسولا؟؟!!


في ختام هذين العامين ظهرت على السطح حادثة عم سعيد الشهيرة, هذا الرجل المتكور المرح الذي لا يكف عن الثرثرة و الشكوى الساخرة من امرأته و أولاده الذين لا يوقفوا أبدا نزيف احتياجاتهم اليومية من راتبه الذي لا يكفي حتى لأكل العيش إلحاف, يعطف عليه جميع العاملين رثاء لحاله و حبا لشخصيته المرحة المتفائلة و استعداده لتقديم أي كتب أو كراسات فائضة عنه لمن يطلب من المدرسة دون قيد أو شرط أو هكذا كنت أتخيل , نظرا لانعزالي التام و بعدي عن التفاصيل الدقيقة التي تدور بين معظم العاملين بالمدرسة و التي دائما تختبئ وراء تفاصيلهم العادية التي يراها الجميع.


عم سعيد يعمل أمين مخازن بالمدرسة مسئول عن استلام الكتب و تسليمها للطلبة مباشرة و إعادة الفائض منها إلى المخازن العامة ثانية و هكذا, في هذا العام فوجئنا بمدير المدرسة يدور على جميع العاملين بالمدرسة من معلمين و إداريين يطالبهم بدفع ما يجودون به لسد العجز المكتشف في عهدته, حيث انه قام ببيع الكتب المتبقية و لم يعيدها إلى المخازن العامة كما كان مفترض إن يحدث و صبغ كلماته بصبغة الخير الذي لا مصلحه له فيها , سوى إنقاذ عم سعيد من السجن الذي سيهدم بيته و يشرد أولاده المساكين الذين لا عائل لهم غيره , رفض عدد منا وكنت من بينهم المشاركة في تلك المهزلة ,فكل سارق لابد إن يأخذ عقابه و لكنه لم يتركنا حتى تنازلنا عن موقفنا بعد إن التبس علينا الأمر, فتفاصيل حياة عم سعيد شائكة حقا و تدعو للحيرة و جمع المبلغ و انتهت ألازمة و اكتشفنا في نهاية العام إن هذه ليست أول مرة تحدث و لكنها أول مرة يفضح أمرها و إننا كن ننقذ عم سعيد و المدير و الأمين العام للمخازن ألعامه و ربما مدير الإدارة التعليمية أيضا من سرقة اعتادوا القيام بها إلى أن جاءت لجنة جرد وزارية فكشفت المستور أو ربما لم تجد ما تقتسم معهم ففضحت أمرهم .


حملت ورقة جديدة بطلب جديد لمغادرة المدينة كلها و الهجرة مع أسرتي بعيدا إلى القاهرة حامله حلم جديد بحياة أفضل, ربما هناك أجد عالم جديد مختلف عن هذا العالم


و لكن هل وجدته حقا ؟؟!!

Wednesday, September 23, 2009

الخوف


الخوف

اجتاحني شعور قوي بالضيق و الملل لم تفلح كل الوسائل الترفيهية في البيت لتقضي عليه, أمسكت كتاب, تاهت حروفه أمام عيني فأغلقته و أعدته مكانه , التليفزيون لم يفلح في إخراجي من داخل هذا الشعور , ضجيج الأولاد لم يغير شئ , ملل لا ينتهي!!
قمت من مكاني و ارتديت ملابس الخروج التي اختفي داخلها تماما و قررت الخروج ولكن إلى أين؟ لا يهم .
فتحت الباب و انطلقت إلى منطقة كوبري قصر النيل, أسير متأمله النيل غارقة في حديث صامت معه ,كانت رؤيته مع ارتعاش موجاته الهادئة كفيلة بأن تبدد مشاعر الملل و الضيق التي تجتاح روحي من أن الى آخر .
و لكن مع عميق أسفي !!!! لا يقبل المارة فكرة سير امرأة وحيدة على الكوبري,, لابد ان تكون في انتظار حبيب اخلف موعده و لابد أن يتبرع احدهم بشغل مكانه الشاغر, طوال سيري اسمع عبارات مثل (معندوش دم , في حد يسيب القمر ده ماشي لوحده) فشلت الفكرة و أستمر الشعور بالضيق يملا روحي, قررت ان استمر في السير بعيدا عن الكوبري و الذهاب لمشاهدة فاترينات المحلات و أثناء تجوالي أعجبني بنطلون جينز و بلوزة قصيرة على المليكان القابعة في سكون داخل الفاترينة , فتحت حقيبتي و جدت أن ما معي يكفي لشرائهم و العودة الى المنزل, لم اعتد ارتداء مثل هذه الموديلات من الملابس, ترددت قليلا ثم حزمت أمري و لما لا ربما التغيير يقضي على الضيق الذي يسبح منتشرا داخلي , اشتريتهما و شعور عالي بالسعادة يغمرني ,عدت إلى المنزل مسرعة, أفرغت الحقائب و ارتديت الملابس التي قمت بشرائها و أخذت أتأمل نفسي داخل المرآة ,عاد الضيق يتسرب داخلي ببطء مختلط بالقلق هل أستطيع الخروج هكذا حقا خلعت عني الملابس سريعا و علقتهم على الشماعة و حفظتهم داخل الدولاب , أسبوع كامل أخرجهم لأتأملهم ثم أعيدهم مره أخرى إلى مكانهم , حتى جاء يوم دعيت فيها لحضور حفل غنائي مع صديقة قديمة لم أرها منذ أعوام كان أخر لقاء لنا صادم, تغيرت كثيرا أصبحت أكثر تألق و انطلاق, لا تشغل بالها كثيرا بآراء من حولها ترتدي ما تحبه, تتكلم في مواضيع شتى دون حرج أو قلق يتطور عملها.
دائما تذهب بعيدا ثم تعود في ثوب جديد بينما ألقاها كما أنا بهدوء و سكون الثبات ,لا يتغير في سوى تقدم العمر و كر السنين و انتقال أولادي من مرحلة إلى أخرى في دراساتهم , لا ادري لما دعتني إلى ذلك الحفل؟! لم احضر حفلات غنائية منذ سنوات, لكن الدعوة أطلقة داخل روحي حالة من البشر و السعادة و الترقب اللذيذ , ظللت اقلب ملابسي بحثا عن شئ ارتدي و فجاء قفز أمامي ذلك الطاقم المهمل داخل الدولاب أخرجته و ارتديته و ظللت اشد في طرف البلوزة علها تزداد طولا ,إعجاب خفي بنفسي بدأ يطرأ على مشاعري ,مختلط بقلق واضح وعدم الارتياح و لكن لأني امتلك قدرا من العند يبقى على بعض من روحي المنطلقة التي تطوق دائما الى حياه متدفقة بعيدا عن الركود والسكون الدائم المحيط بي من كل جانب , قررت الخروج به و أثناء سيري لأصل إلى المواصلة التي سأرتادها لتحملني إلى مكان الحفل فوجئت بعاصفة من التجريح طوال سيري في الشارع( إيه إلى أنت عملاه في نفسك ده ؟ أنت فاكره نفسك فين ؟) و احدهم اقترب مني بطريقة أثارت فزعي و لقبني بالفاجرة ! زاد عندي و خوفي و قلقي و ظللت امشي و لكن بخطوات سريعة لأنهي هذا الشارع و اصل إلى العربة التي سأركبها و سؤال يلح على ماذا صنعت بنفسي؟ لا ارتدي ملابس عارية!!! و لا شئ ملفت صادم إلى هذه الدرجة لما هذا الكم من الحصار الذي واجهني طوال سيري ؟
بمجرد وصولي الى مكان الحفل و التقائي بصديقتي ألقيت بنفسي بين ذراعيها و انهمرت دموعي و انا ارتجف كطفل ضائع أعادوه إلى أمه, فبكى يشكو لها ضياعه , ظلت تهدأ من روعي و تسألني عن سبب كل هذا الانهيار؟؟
فحكيت لها كل ما حدث من لحظة سيري على الكوبري و شراء البلوزة و البنطلون حتى وصولي إليها ألان , سمعت كلماتي كلها التي ألقيتها مبعثرة مضطربة ثم هدأت من روعي و أطلقت سؤال محير و لما سكتي ؟ لما لم تدافعي عن نفسك ؟ لما تركتيهم يفترسوك بكلماتهم و اتهاماتهم و يخبروك ان لا مكان لك في هذا الشارع إلا وفق شروطنا الخاصة , لا تخافي توقفي عن السير جريا و واجهيهم .
اختزنت كلماتها داخل عقلي و حضرت الحفل معها و سرنا في الطريق نتحدث بعد الحفل و تصافحنا على وعد بلقاء قريب , عدت إلى البيت و شعور جديد يتسرب داخل روحي و في اليوم التالي ارتديت نفس ملابس البارحة وخرجت لأتنزه بجوار النيل وحدي و مع أول عبارة جارحة توقفت و استدرت ليصبح وجهي مقابل لوجه المتحدث و طلبت منه بنبرة غاضبة ان يترك الناس تسير في هدوء و يهتم هو بشأنه الخاصة بعيدا و عندما لم يهتم , علا صوتي ممتزج بسيل من الشتائم و الاتهامات و التهديد , فانتشر الفزع على قسمات وجهه و استدار هاربا بعيدا , تأكد الشعور الذي استيقظت به هذا الصبح عرفت انه الثقة بالنفس و سعادة الانتصار, رفعت رأسي التي كنت أسير بها مطأطأة دائما و بخطوات هادئة انطلقت في طريقي.

Saturday, September 12, 2009

أرض الواقع



بعد التخرج من الجامعة بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف راودتني أحلاما كثيرة لم تكن لها صلة بالواقع الذي نحياه فبالرغم من إنني كنت أوفر حظا لان وقت تخرجي كان يكفي أن احصل على شهادة التخرج لأحصل على جواب التعيين فورا إلا أن تصوري أنني سألقى تقدير ما على تفوقي كان هو الوهم ذاته فقد وصلتني معلومة لم اكن الحظها في ذلك الوقت و هي تفوقك لا يعني شئ , أما مدى علاقاتك بأصحاب القرار هي التي تعني كل شئ.
لم اعد اشعر بأهمية هذا التقدير الذي حصلت عليه في نهاية سنواتي بالجامعة إلا عندما كانت تلحقه أمي بجوار لقب مدرسة وكأن ألقب وحده لا يكفي للشعور بالفخر و بالطبع يضاف إلى لقبي كمدرسة و تقديري الذي يعبر عن ذكاني و اجتهادي الذي خانني في الثانوية العامة فألحقني بكلية التربية التي لا تمنح الفرصة لعمل اخرى سوى التدريس عبارة مثل( هو عمل مناسب جدا للبنات) ,كانت كل هذه المحاولات التبريرية لطبيعة عملي تشعرني بالضيق و تملأ جوفي بالتساؤل, لما تلك النظرة المتدنية للمعلم؟! أليس هو من لقبوه بالرسول , أليس هو من يشكل عقول أصحاب المهن الأخرى التي يشعر أصحابها بالتفوق و الفخر , ربما وصلتني الإجابة بعد عدد من السنوات التي عملت فيها كمدرسة .
هناك في تلك القرية حيث ذهبت لاستلم عملي و أتلقى حجر يلقى بقوه لهدم الكثير من أحلامي الوردية التي راودتني طوال فترة دراساتي بالكلية لكم أنواع المدارس الفلسفية التي أدلت بدلوه في كيفية بناء العقل البشري الحر المبدع الخ من تلك الكلمات البراقة التي اغرقوا آذاننا بها على مدار أربعة أعوام لم نتلقى فيها نحن أنفسنا أي فرصة لتفكير حر أو مبدع .

عند دخولي الفصل لأول مره طالعتني وجوه تبدو أنها وجوه لأطفال لكن الواقع غير ذلك معظمها وجوه يعلوها الإجهاد الشديد و صفرة الجوع, يرتدون ملابس مهترئة ,يعلوها الوسخ,ويتفقون جميعا على عدم الرغبة في سماع أي شئ مما أقول ,حاولت لحظة تجاوز انطباعي الأول و بدأت في التحاور بود مع الطلبة و الطالبات في فصل يضيق من عبأ ما يحمل حيث إن عددهم كان يزيد عن الستون طالب في هذا الوقت و بدأت أسأل عن اهتماماتهم و أحلامهم التي يريدون تحقيقها في المستقبل البعيد هكذا كان يصنع معنا مدرسينا في الماضي و كانت تنطلق وقتها من عقولنا سيل من الأحلام المتدفقة الواثقة من إمكانية تحقيقها في المستقبل ولكن يومها التبس علي الأمر فقد وجم الطلاب و لم يجدوا ما يقولونه حتى تشجع احدهم و اخبرني انه يتمنى أن يستيقظ يوم فيجد مبنى المدرسة قد اختفى تماما فهو لا يدري لما يأتي إلى المدرسة , يعمل مع أبيه في الأرض طوال اليوم ثم يأتي إلى المدرسة و يعود ليكمل عمله مرة أخرى, لحظتها أنطلق الباقون يذكرون أعمالهم الأصلية نجار ,مبيض محاره ,صبي على عربة ميكروباص الخ من الأعمال التي يضاف إليها عبأ المدرسة الثقيل مع أختفاء الأمل في أن المدرسة ستعطيهم غدا مختلف , أما الطالبات فيأتين المدرسة بانضباط و لا يغيبنا أبدا و يقومنا بأداء واجبا تهن ليستمر حضورهن إلى المدرسة و لا يتعلل إباءهن بشكوة المدرسين فيبقيهن في البيت لقضاء الحوائج المنزلية و انتظار العريس الذي سيريحه من عبأهن و قد قررن البنات انتظار هذا العريس أثناء ذهابهن إلى المدرسة ليس لأنهن راغبات في العلم و المستقبل المشرق الذي تمنحه المدرسة فهن فاقدات الأمل و الحلم مثل ألصبيه و لكن هربا من شقاء العمل بالمنزل بحجة المدرسة وسط هذا الطوفان ربما تجد اثنان أو ثلاثة يردن سماع ما تقول بعقول مشوشة مضطربة تريد ان تحلم لكنها غير واثقة من جدوى الحلم و في دائرة الحوار الشائك و محاولة تفهم هذه الهوه العميقة بين عالم أحياه بعيدا و عالمهم الذي اقتحمني دون وعي مني بحقيقة ما يدور داخله , قام احدهم ليسأل و تنبهت حواسي لسماع سؤاله الذي لم أستطع استيعابه الا بعد فترة طويلة من عملي بالمدرسة فقد كان يسأل عن مواعيد المجموعة المدرسية و كأنه يقول لي كفاك ثرثرة و لهو بعقولنا و هاتي من الآخر .
مدير المدرسة كان أستاذي و أنا طالبة بالمرحلة الإعدادية , ظللت من لحظة استلامي للعمل أعامله معاملة الطالب لأستاذه حتى توالت أحداث استدعت التغيير ,كان يستيقظ وقت صلاة الفجر ليصليها في الجامع ثم يتوجه الى المدرسة ليكون اول الحاضرين بها , يتكلم كثيرا عن الارزاق التي بيد الله و كفاحه الدائم لينجوا باولاده بعيدا عن مهنة التدريس وكيف انه نجح في تحقيق هذا الحلم و اصبح الان ابنه الاكبر طبيب و ابنته في كلية الهندسة ,يحكي عن سنوات خبرته الطويلة بالمدرسة, يفيض عليك بطيبته و الابوة التي تشع من كلماته, ما أضعف بريق الكلمات حين توضع على ارض الواقع , و هذا ما حدث حين جاء ولي امر يعمل ضابط بالشرطة يتطاير الشرر من عينه و امسك بزميل لنا و اخذ يوسعه ضربا و مدير المدرسة يقف بعيد لا يحاول التدخل او حتى المحافظة على مركزه الذي اهدره هذا الرجل بتعديه على احد مرؤوسيه اثناء تأدية و ظيفته و اقتحامه المدرسة دون اذن منه , وقفنا جميعا لا نحرك ساكن تشل اقدامنا المفاجئة ,حتى تحرك احد الزملاء ليفض النزاع, لحظتها تدخل مدير المدرسة و اخذ ولي الامر داخل مكتبه ليهدئ من روعه تاركا المدرس المعتدى عليه بيننا و نحن لا ندري ماذا يمكن ان يقال؟ و ما اسباب كل ما حدث؟, يومها اخبرنا المدرس ان ابن هذا الرجل دائم التطاول عليه في الفصل و قد اخبر مدير المدرسة عنه فلم يحرك ساكن فأضطر الى ضربه و إخراجه من الفصل , و برغم اني رأيت مدير المدرسة يعاقب طلاب كثيرون بالضرب لأسباب أخرى تافهة منها عدم دفع الفلوس الخاصة بالمجموعة المدرسية الا انه لم يحاول حتى استدعاء و لي أمر هذا الطالب لإخباره بسلوك ابنه داخل الفصل أو حتى تحويلة الى الاخصائية الاجتماعية لمعرفة أسباب هذا السلوك الغير سوي .
بعد ذهاب ولي الامر جمعنا المدير ليحكي لنا كيف انه عندما يوقف ضابط الميكروباص الذي يركب به بجوار السائق يترك مكانه فورا له و يعود الى الخلف , لأنه لو ساقته الأقدار إلى القسم و مثل بين يدي هذا الضابط سيعامله كالمسجلين خطر و لن يعمل لسنه ومركزه أي حساب , هو يعلم جيدا ان مناصب التربية و التعليم لا تمثل أي أهميه و لا يعيرها احد أي احترام
يومها لم نستطع استيعاب ما يقول فقد كنا جميعا حديثي التعيين و قررنا الامتناع عن العمل حتى يأتي هذا الرجل ليعتذر لزميلنا و يعيد له اعتباره و في اليوم التالي جاء احد أقاربه و لم يعتذر لزميلنا بالمعنى الواضح و قبل الزميل هذا أسوة بالمدير الذي اخبره أنه لا داعي للتشبث بحضور الأب فقد ضربت ابنه و هذا يعرضك للمسئولية و جميع من يقف إلى جوارك ألان إذا ذهب إلى القسم لن يشهد معك ضد ضابط و للأسف قد يكون فعلا على صواب .
في نهاية هذا العام الملئ بالصدمات جلست مع زملائي لتصحيح أوراق الامتحان و جاء وكيل المدرسة و رئيس الكنترول ليخبرنا انه لا يريد النتيجة اقل من 50% (خلى السنة تعدي على خير مش ناقصة تحقيقات و استجوابات تنتهي بجزاء اكبر مما تحصل عليه نظير عملك اليومي بالمدرسة) لم استوعب لحظتها ماذا يعني بتلك الكلمات حتى رأيت احد الزملاء يمسك قلم ازرق بجوار القلم الأحمر و يخط الإجابات في بعض الأوراق ثم يقوم بتصحيح إجاباته, لم استطع تحمل هذا الأمر ألا يكفي إننا ندمر عقولهم بمناهج تدعو للغباء و لا تنمي لديهم أي مهارات نضيف على ذلك وضع قيم جديدة مثل أهمية السرقة و التزوير و انه بالرغم من انه لم يجيب شئ في ورقة الامتحان ألا انه نجح بسهوله فما ضرورة ان يبذل مجهود طالما في النهاية سينجح مثل الآخرين الذين أجهدوا أنفسهم باستذكار الدروس طوال العام .
يومها قمت بتسجيل الواقعة في ورقة و قدمتها الى مدير المدرسة الذي احضر زملائي و افتعل ضجة ليوهمني انه يحقق في الأمر الذي انتهى باتهامي بإلقاء الاتهامات الجزافية و أني أريد أحداث شغب و إيذاء زملائي لأنهم يلعبون بعقول طلابي في الفصول التي اعمل بها ليعطوهم مجموعات و دروس خصوصية و أني أريد أن انتقم منهم بهذه التهمه و صاحب هذا الكلام تهديد خفي بأن تلقى هذه التهمه على بدل منهم , رعب شديد سيطر على يومها الزمني الصمت أعوام طويلة من حياتي كنت حالمة أكثر مما ينبغي, طفلة في تقديري للأمور , يأس شديد حولني لسنوات من عمري مجرد موظفة تذهب لتأدية عملها و تعود سريعا إلى بيتها حيث يوجد زوج و طفل ترعاهم و كفى ربما أستطيع أن اصنع من ابني ما عجزت عن صنعه مع الآخرين .

Tuesday, August 18, 2009

الحلم الضائع


 

 

دقات التليفون المحمول يعلوا رنينها ,ابحث عنه في كل مكان داخل حقيبتي ,بين أشيائي المبعثرة في كل مكان, امضي معظم يومي في البحث عنها بدل من إنجازها , وجدته أخيرا

 من المتصل؟ إنها  أختي الكبرى من أبي !, يتسرب صوتها الدافئ الذي يملأ القلب بحضن أمومي لم اشعر به و انا استلقي بين ذراعي أمي القلق دائما , لكنه صوت يشوبه اثار نحيب هذه المره

أسألها: ماذا حدث؟!

اجابتني و هي تبكي بأن ابانا قد توفاه الله, غمغمت ببعض الكلامات الغير مفهومه و عرفت منها انه توفى صباحا و انهم الان في المستشفى لتسلم جثمانه و دفنه .

قالت: ضروري تحضري حالا , احاول جاهده ان انهي المكالمه ببعض العبارات المتداخله ,تصر لابد ان تحضري فورأ,  اجيبها كعادتي عندما اقطع على نفسي وعودا لن انفذها ايوه, اكيد, طبعا هاجي بدون أي كلمات يشوبها تحديد  لموعد الحضور لم اكن وقتها افعل ذلك عن وعي برغبتي في الفرار ,حتى رأيت أمامي صوره مماثله من البشر الذين يحترفون فن الفرار ,عرفت يومها كم هو مؤلم ان ترى صورتك في مرآة أخرى  .

ما العمل الان لا يوجد سوى فراغ لا نهاية له( ابيك توفاه الله) ,( لابد ان تحضري) , كلمات احاول جاهده ان استوعب معناهه دون جدوى ابحث عن دموع تملا القلب و تفيض من العينين , لاشئ هل سأذهب حقا ؟ لا اجد جواب , اكملت يومي, لم الغي أي موعد من مواعيد عملي اكملتها حتى النهاية, ضحكت مع زملاء عملي, امضيت يوما مثل باقي الايام لا يعكر صفاءه الروتيني  سوى سؤال واحد ظل يتردد داخل جدران عقلي المغلق دائما على ذاتي (كلمة توفاه الله هذه تعني انه لم يعد موجود؟  هل تعني ان حلم العوده لم يعد له مكان في هذه الحياه؟ .أسير كالمسحورة, أدير مفتاح شقتي الاحظ ان هناك رجل قابع داخل البيت, من هذا الرجل؟سؤال اخر بدأ يزاحم الاول و يحدث ضجيج أقوى من سابقه ,حلم ضائع اخر! حبيب! زوج! أي مسمى يحمله الان؟ منذ سنوات عديده طوقت اصبعي بخاتمه و قلبي بحلم الدفئ و الامان بين ضفتي ذراعه, لكن عبث حاولت, لم يرى تلك الطفله المزعوره التي تسكن داخل جسد أمرأة مكتملة الانوثه, تحمل جمال تصارع عليه شباب بلدتنا حتى فاز هو به و انتهى الامر , اخبرته دون وعي او اهتمام ابي توفي و سوف اذهب الى العزاء, ظهرت بعض علامات الجزع و الاهتمام على وجهه و بدأ يعرض خدماته و تطوعاته الواهيه ,لم يتحمس ابدا لظهور هذا الاب المفاجئ, اظن لا يعنيه كثيرأ اختفائه كما كان في السابق  ,لم اسمع مما قال شئ ,أخبرته أني ذاهبه وحدي , عاد الى سكونه مره اخرى يدير قنوات التليفزيون دون اكتراث كم تمنيت لحظتها ان يتلقفني بين ذراعيه ان يقول لي انا ابيك يا صغيره لا تجزعي فانا من سيبقى معك ما تبقى لنا من عمر , لكنه لم يقول شئ , ارتديت السواد و ذهبت , حيث يتقبل اهل هذا الاب المزعوم  العزاء, هل مات حقا اليوم؟ ام ميت هو منذ زمن؟ , وهناك كنت امد يدي احيانا لتقبل العزاء  ,و احيانا اخرى اقدم جسدي كله ليواسيني أحدهم, لما كل هذا التعاطف و من كل هؤلاء البشر عمي , عمتى , ابن عمي , ابنت عمي اين كانوا كل هؤلاء و لم هم موجودن الان ربما لانه لم يعد موجودا .

اجلس ساهمه بينهم جميعا تعود الي ذكرى ذلك المسن الملقى على سرير في مستشفى تمزق اهاته نياط قلبي تنهمر دموعي و تتلصص اذني لكل ما يهذي به, هذه انا فتاته الصغيره صاحبة اجمل عيون تبعث الحياه مازال يذكر بريقهما و هذه اختى الصغرى جنين يولد على لسانه و لا تراه عينه ابدا ما يزال يذكرنا لما فر بالذكرى تاركا اصحابها بلا دفئ , بلا امان .

رايته مره واحده في صغري الواعي تجلس اختى على رجليه يهدهدها, تلك الجلسه التي عوقبت عليها طوال سنوات عمرها  التي تلتها , بينما انا ظللت اللهو بعيدا استرق النظر من بعيد يطوق جسدي الى ذراعيه ,اخشى , ان افقدهما مره اخرى  أوثر سلامة الفقد الاول على لوعة الفقد للمرة الثانية ,يحاول التقرب لي ابتعد اكثر من يدريني انك ستعود لزيارتنا مرة اخرى ,ظل الفخر بأني اخترت امي و رفضته يجري على لسان كل من عاقب اختى على جلوسها على رجليه و ظللت نادمه اني لم القي بنفسي بين ذراعيه عله بقى و لم يرحل , سنوات عمر طويله ابحث عن دفئه بين البشر لكن دون ان أجده , ذهب الان بلا رجعى , لن يعود؟ لم يعد هناك جدوى من الانتظار ؟

انفض رأسي بقوه لا هو لم يمت, اباهن تلك الاخوات هو الذي مات , لكن ابى لابد يوما عائد كيف احيا بدون انتظاره ماذا على ان افعل الان ابكي و انتحب مثلهن حتى يواريه التراب و ينتهي الامر لا سوف انتظره عمري كله, سيأتي يوما يملأ قلبي دفئ و يزيح عني قلق السنين و خوفها , و لكن متى هذا اليوم ؟