هنا احاول التواصل مع الحياه من خلال ما يحدث داخلي و من خلال التواصل مع الاخرين من حولي حتى اتمكن من الوصول الى اسطورتي الذاتيه
Friday, January 1, 2010
حلم الحياه
Monday, December 14, 2009
من نحارب و لحساب من
Thursday, November 19, 2009
وباء لا مصل له
Friday, October 2, 2009
صورة أخرى على أرض الواقع
وصلت إلى المدرسة الجديدة لاستلام عملي و أول من التقيت به هو مدير المدرسة , شخص يدعو إلى الانقباض لمجرد رؤيته تبدو على وجهه ملامح الخبث و الدهاء دون ان يتكلم ,حاول من أول لقاء أن يبث داخلي كل مشاعر الخوف و الرهبة ليشعرني انه يقود المدرسة بيد من حديد, لكن ما نجح في أن يوصله إلى بجداره ليس الخوف و لكن الضيق و ربما الاشمئزاز أحيانا .
وتدريجيا توصلت الى أسباب الشعور الذي نما داخلي منذ اللحظة الأولى للقاءي مع هذا المدير و ذلك من خلال مراقبة ما يدور حولي من بعيد دون تفاعل حقيقي , فقد أفقدتني المدرسة السابقة أي رغبة في التفاعل وكنت كل ما ارغب فيه بصدق هو اداء عملى ثم الفرار سريعا الى بيتي و الاختباء داخله بعيدا عن عالم لا امتلك آلية التعامل معه او فهم طبيعته.
الطلاب هنا تتباين طبائعهم و أن كانت تتفق في شئ واحد هي الجرأة الممزوجة باللامبالاة وعدم الرغبة الحقيقية في التعلم, علاقتهم بالمعلمين شائكة يغلب عليها تجاوز جميع الحدود و الاستهانة بكل من حولهم وعلى الجانب الاخر يتقبل المعلمين هذا الأمر بسماجة الذليل الذي يجامل مالك قوته حتى لا يفر منه الى اخر حيث المنافسه قوية بين المعلمين على اجتذاب الطلبة و التأثير على عقولهم ليكونوا زبائن لهم في المجموعات المدرسية و الدروس الخصوصية ,مما يخلق مناخ غريب يصعب فهمه و تجد أمامك تشابه كبير بين علاقة المدير بالمعلمين و علاقة المعلمين بالطلبة , حيث يفتح المدير درج مكتبه لكل من يمتلك القدرة على المنح من العاملين بالمدرسة , وهؤلاء يكون لهم كل الحظوة عنده دائما , يجيئون و يذهبون من و الى المدرسة و قتما يشاؤنا بينما يظهر صالح العمل و مراعاة الضمير فجأة لمن يكون خارج هذه الدائرة المغلقة داخل المدرسة .
إبقاء على عهد أخذته على نفسي بأن اكتفي بدائرة خاصة بيضاء بعيدا عن عالم كل دوائره سوداء مظلمة لا امل فيها ظللت ارقب كل هذا من بعيد .
ربما احيانا كنت اشعر بمتعه شريرة و انا امسك القلم الأزرق لأخط الإجابات داخل ورقة الإجابة الخاصة بالطلبة في امتحانات نهاية العام و اعيد تصحيحها و تنجح الورقة بعدها متوحدة تماما معها و كانها هبطت من عالم اخر لا علاقة لي به و لا بصاحب هذه الورقة.
لم اعد احدث ضجيج على ما يحدث داخل اللجان فليفعلوا ما يريدون ليس بالضرورة ان اكن المكلفة الوحيدة بأنقاذ عالم هؤلاء الطلبة من الضياع .
أحيانا تجد نفسك و قد اصبحت ترس مكمل لدوائرهم العطنة تنسج خيوط قوية من المبررات
تمنحك تصالح ظاهري مع نفسك مستسلم تماما لكل ما يحدث حولك بل و مشارك فيه أيضا لكن هذا لا يستمر طويلا تجد ان هناك من يتسرب داخل عالمك الخيالي يفسده و يحرك ماءه الراكدة فتزكم انفك رائحة العطن الذي غرقت فيها و انت تسبح داخل سماء تبريراتك .
ذات يوم دخلت الفصل في حصة أضافية يطلق عليها (حصة احتياطي بدل مدرس زميل غائب )و حملت معي كتاب اعتدت حمله للقراءة فيه وقت فراغي بالمدرسة ,كتبت بعض الأسئلة على السبورة وتركت للطلبة حرية الاختيار فبدأ بعضهم بتسجيل إجابتهم في ورق و البعض الآخر تجمعوا ليكملوا حكايات قد بدأت بينهم قبل وصولي إلى الفصل و أخير من تجمعوا حولي احكي لهم ما في الكتاب و نطرح مع بعضنا الأسئلة و نحاول أن نجد لها حلول , ما الداعي في أن أقيدهم داخل مقاعدهم الصغيرة و أظل اصب على رؤوسهم معلومات , صماء لا روح فيها وفجأة أثناء اندماجنا في حلقاتنا المختلفة داخل الفصل بين الثرثرة المرحة و التحاور الجاد في المواضيع التي يضمها الكتاب الذي احمله و البعض الذي يحل الأسئلة الدراسية و يقبل ليسألني في بعض ما يستعصي عليه فهمه و أحاول شرحه له ,أفقنا على صوت دفع الباب من الخارج وإذا برجل غريب عن المدرسة وسط الفصل يسأل عن المعلمة و عندما أجبته بأني هي المعلمة الموجودة داخل الفصل , تملكته ثورة عارمة مبديا استياءه من الضوضاء التي بالفصل و هجم على الكتاب الذي في يدي وزادت ثورته عندما وجده كتاب عام لا صله له بالمنهج التعليمي الذي ادرسه و أخذه معه و هو خارج على أساس انه امسك في يده جسم الجريمة ,لم امتلك القدرة على الرد و لم يترك لي هو مجرد ترف المحاولة و خرج يكيل الإهانات و الاتهامات لكل من يقابله من العاملين بالمدرسة حتى جرت دماء الغضب في عروق احد المعلمين و انهال عليه بالضرب و السباب و كانت النتيجة انه أحال جميع المدرسة إلى التحقيق, فقد كان متابعة من وكالة الوزارة جاء لتصيد الأخطاء, فكل مخالفة قانونية نرتكبها تضاف إلى رصيد حوافزه المادية و تمت مجازاتنا جميعا ,هذا الجزاء الذي لم ينفذ لان احد المجازين معنا كان قريب لعضو مجلس شعب حمل تظلمنا و رفع عنا الجزاء !!!!
استمر عملي بهذه المدرسة عامين أخرين ترتعش فيه مياه حياتي بين ركود و كدر عفن لا نهاية له أنجبت فيها طفلي الأول و امتلأت حياتي بأحلام جديدة له هو فقط نسيت فيها تماما أني أعمل في مدرسة أو أني في يوم ما حلمت أن أكن هذا الرسول الذي يسعى لنشر رسالته على من حوله كما ظلوا طوال أعوام عمري الأولى يلقنونا هذا البيت الشعري عن المعلم الذي كاد أن يكون رسولا؟؟!!
في ختام هذين العامين ظهرت على السطح حادثة عم سعيد الشهيرة, هذا الرجل المتكور المرح الذي لا يكف عن الثرثرة و الشكوى الساخرة من امرأته و أولاده الذين لا يوقفوا أبدا نزيف احتياجاتهم اليومية من راتبه الذي لا يكفي حتى لأكل العيش إلحاف, يعطف عليه جميع العاملين رثاء لحاله و حبا لشخصيته المرحة المتفائلة و استعداده لتقديم أي كتب أو كراسات فائضة عنه لمن يطلب من المدرسة دون قيد أو شرط أو هكذا كنت أتخيل , نظرا لانعزالي التام و بعدي عن التفاصيل الدقيقة التي تدور بين معظم العاملين بالمدرسة و التي دائما تختبئ وراء تفاصيلهم العادية التي يراها الجميع.
عم سعيد يعمل أمين مخازن بالمدرسة مسئول عن استلام الكتب و تسليمها للطلبة مباشرة و إعادة الفائض منها إلى المخازن العامة ثانية و هكذا, في هذا العام فوجئنا بمدير المدرسة يدور على جميع العاملين بالمدرسة من معلمين و إداريين يطالبهم بدفع ما يجودون به لسد العجز المكتشف في عهدته, حيث انه قام ببيع الكتب المتبقية و لم يعيدها إلى المخازن العامة كما كان مفترض إن يحدث و صبغ كلماته بصبغة الخير الذي لا مصلحه له فيها , سوى إنقاذ عم سعيد من السجن الذي سيهدم بيته و يشرد أولاده المساكين الذين لا عائل لهم غيره , رفض عدد منا وكنت من بينهم المشاركة في تلك المهزلة ,فكل سارق لابد إن يأخذ عقابه و لكنه لم يتركنا حتى تنازلنا عن موقفنا بعد إن التبس علينا الأمر, فتفاصيل حياة عم سعيد شائكة حقا و تدعو للحيرة و جمع المبلغ و انتهت ألازمة و اكتشفنا في نهاية العام إن هذه ليست أول مرة تحدث و لكنها أول مرة يفضح أمرها و إننا كن ننقذ عم سعيد و المدير و الأمين العام للمخازن ألعامه و ربما مدير الإدارة التعليمية أيضا من سرقة اعتادوا القيام بها إلى أن جاءت لجنة جرد وزارية فكشفت المستور أو ربما لم تجد ما تقتسم معهم ففضحت أمرهم .
حملت ورقة جديدة بطلب جديد لمغادرة المدينة كلها و الهجرة مع أسرتي بعيدا إلى القاهرة حامله حلم جديد بحياة أفضل, ربما هناك أجد عالم جديد مختلف عن هذا العالم
و لكن هل وجدته حقا ؟؟!!
Wednesday, September 23, 2009
الخوف

اجتاحني شعور قوي بالضيق و الملل لم تفلح كل الوسائل الترفيهية في البيت لتقضي عليه, أمسكت كتاب, تاهت حروفه أمام عيني فأغلقته و أعدته مكانه , التليفزيون لم يفلح في إخراجي من داخل هذا الشعور , ضجيج الأولاد لم يغير شئ , ملل لا ينتهي!!
قمت من مكاني و ارتديت ملابس الخروج التي اختفي داخلها تماما و قررت الخروج ولكن إلى أين؟ لا يهم .
فتحت الباب و انطلقت إلى منطقة كوبري قصر النيل, أسير متأمله النيل غارقة في حديث صامت معه ,كانت رؤيته مع ارتعاش موجاته الهادئة كفيلة بأن تبدد مشاعر الملل و الضيق التي تجتاح روحي من أن الى آخر .
و لكن مع عميق أسفي !!!! لا يقبل المارة فكرة سير امرأة وحيدة على الكوبري,, لابد ان تكون في انتظار حبيب اخلف موعده و لابد أن يتبرع احدهم بشغل مكانه الشاغر, طوال سيري اسمع عبارات مثل (معندوش دم , في حد يسيب القمر ده ماشي لوحده) فشلت الفكرة و أستمر الشعور بالضيق يملا روحي, قررت ان استمر في السير بعيدا عن الكوبري و الذهاب لمشاهدة فاترينات المحلات و أثناء تجوالي أعجبني بنطلون جينز و بلوزة قصيرة على المليكان القابعة في سكون داخل الفاترينة , فتحت حقيبتي و جدت أن ما معي يكفي لشرائهم و العودة الى المنزل, لم اعتد ارتداء مثل هذه الموديلات من الملابس, ترددت قليلا ثم حزمت أمري و لما لا ربما التغيير يقضي على الضيق الذي يسبح منتشرا داخلي , اشتريتهما و شعور عالي بالسعادة يغمرني ,عدت إلى المنزل مسرعة, أفرغت الحقائب و ارتديت الملابس التي قمت بشرائها و أخذت أتأمل نفسي داخل المرآة ,عاد الضيق يتسرب داخلي ببطء مختلط بالقلق هل أستطيع الخروج هكذا حقا خلعت عني الملابس سريعا و علقتهم على الشماعة و حفظتهم داخل الدولاب , أسبوع كامل أخرجهم لأتأملهم ثم أعيدهم مره أخرى إلى مكانهم , حتى جاء يوم دعيت فيها لحضور حفل غنائي مع صديقة قديمة لم أرها منذ أعوام كان أخر لقاء لنا صادم, تغيرت كثيرا أصبحت أكثر تألق و انطلاق, لا تشغل بالها كثيرا بآراء من حولها ترتدي ما تحبه, تتكلم في مواضيع شتى دون حرج أو قلق يتطور عملها.
دائما تذهب بعيدا ثم تعود في ثوب جديد بينما ألقاها كما أنا بهدوء و سكون الثبات ,لا يتغير في سوى تقدم العمر و كر السنين و انتقال أولادي من مرحلة إلى أخرى في دراساتهم , لا ادري لما دعتني إلى ذلك الحفل؟! لم احضر حفلات غنائية منذ سنوات, لكن الدعوة أطلقة داخل روحي حالة من البشر و السعادة و الترقب اللذيذ , ظللت اقلب ملابسي بحثا عن شئ ارتدي و فجاء قفز أمامي ذلك الطاقم المهمل داخل الدولاب أخرجته و ارتديته و ظللت اشد في طرف البلوزة علها تزداد طولا ,إعجاب خفي بنفسي بدأ يطرأ على مشاعري ,مختلط بقلق واضح وعدم الارتياح و لكن لأني امتلك قدرا من العند يبقى على بعض من روحي المنطلقة التي تطوق دائما الى حياه متدفقة بعيدا عن الركود والسكون الدائم المحيط بي من كل جانب , قررت الخروج به و أثناء سيري لأصل إلى المواصلة التي سأرتادها لتحملني إلى مكان الحفل فوجئت بعاصفة من التجريح طوال سيري في الشارع( إيه إلى أنت عملاه في نفسك ده ؟ أنت فاكره نفسك فين ؟) و احدهم اقترب مني بطريقة أثارت فزعي و لقبني بالفاجرة ! زاد عندي و خوفي و قلقي و ظللت امشي و لكن بخطوات سريعة لأنهي هذا الشارع و اصل إلى العربة التي سأركبها و سؤال يلح على ماذا صنعت بنفسي؟ لا ارتدي ملابس عارية!!! و لا شئ ملفت صادم إلى هذه الدرجة لما هذا الكم من الحصار الذي واجهني طوال سيري ؟
بمجرد وصولي الى مكان الحفل و التقائي بصديقتي ألقيت بنفسي بين ذراعيها و انهمرت دموعي و انا ارتجف كطفل ضائع أعادوه إلى أمه, فبكى يشكو لها ضياعه , ظلت تهدأ من روعي و تسألني عن سبب كل هذا الانهيار؟؟
فحكيت لها كل ما حدث من لحظة سيري على الكوبري و شراء البلوزة و البنطلون حتى وصولي إليها ألان , سمعت كلماتي كلها التي ألقيتها مبعثرة مضطربة ثم هدأت من روعي و أطلقت سؤال محير و لما سكتي ؟ لما لم تدافعي عن نفسك ؟ لما تركتيهم يفترسوك بكلماتهم و اتهاماتهم و يخبروك ان لا مكان لك في هذا الشارع إلا وفق شروطنا الخاصة , لا تخافي توقفي عن السير جريا و واجهيهم .
اختزنت كلماتها داخل عقلي و حضرت الحفل معها و سرنا في الطريق نتحدث بعد الحفل و تصافحنا على وعد بلقاء قريب , عدت إلى البيت و شعور جديد يتسرب داخل روحي و في اليوم التالي ارتديت نفس ملابس البارحة وخرجت لأتنزه بجوار النيل وحدي و مع أول عبارة جارحة توقفت و استدرت ليصبح وجهي مقابل لوجه المتحدث و طلبت منه بنبرة غاضبة ان يترك الناس تسير في هدوء و يهتم هو بشأنه الخاصة بعيدا و عندما لم يهتم , علا صوتي ممتزج بسيل من الشتائم و الاتهامات و التهديد , فانتشر الفزع على قسمات وجهه و استدار هاربا بعيدا , تأكد الشعور الذي استيقظت به هذا الصبح عرفت انه الثقة بالنفس و سعادة الانتصار, رفعت رأسي التي كنت أسير بها مطأطأة دائما و بخطوات هادئة انطلقت في طريقي.
Saturday, September 12, 2009
أرض الواقع

بعد التخرج من الجامعة بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف راودتني أحلاما كثيرة لم تكن لها صلة بالواقع الذي نحياه فبالرغم من إنني كنت أوفر حظا لان وقت تخرجي كان يكفي أن احصل على شهادة التخرج لأحصل على جواب التعيين فورا إلا أن تصوري أنني سألقى تقدير ما على تفوقي كان هو الوهم ذاته فقد وصلتني معلومة لم اكن الحظها في ذلك الوقت و هي تفوقك لا يعني شئ , أما مدى علاقاتك بأصحاب القرار هي التي تعني كل شئ.
لم اعد اشعر بأهمية هذا التقدير الذي حصلت عليه في نهاية سنواتي بالجامعة إلا عندما كانت تلحقه أمي بجوار لقب مدرسة وكأن ألقب وحده لا يكفي للشعور بالفخر و بالطبع يضاف إلى لقبي كمدرسة و تقديري الذي يعبر عن ذكاني و اجتهادي الذي خانني في الثانوية العامة فألحقني بكلية التربية التي لا تمنح الفرصة لعمل اخرى سوى التدريس عبارة مثل( هو عمل مناسب جدا للبنات) ,كانت كل هذه المحاولات التبريرية لطبيعة عملي تشعرني بالضيق و تملأ جوفي بالتساؤل, لما تلك النظرة المتدنية للمعلم؟! أليس هو من لقبوه بالرسول , أليس هو من يشكل عقول أصحاب المهن الأخرى التي يشعر أصحابها بالتفوق و الفخر , ربما وصلتني الإجابة بعد عدد من السنوات التي عملت فيها كمدرسة .
هناك في تلك القرية حيث ذهبت لاستلم عملي و أتلقى حجر يلقى بقوه لهدم الكثير من أحلامي الوردية التي راودتني طوال فترة دراساتي بالكلية لكم أنواع المدارس الفلسفية التي أدلت بدلوه في كيفية بناء العقل البشري الحر المبدع الخ من تلك الكلمات البراقة التي اغرقوا آذاننا بها على مدار أربعة أعوام لم نتلقى فيها نحن أنفسنا أي فرصة لتفكير حر أو مبدع .
عند دخولي الفصل لأول مره طالعتني وجوه تبدو أنها وجوه لأطفال لكن الواقع غير ذلك معظمها وجوه يعلوها الإجهاد الشديد و صفرة الجوع, يرتدون ملابس مهترئة ,يعلوها الوسخ,ويتفقون جميعا على عدم الرغبة في سماع أي شئ مما أقول ,حاولت لحظة تجاوز انطباعي الأول و بدأت في التحاور بود مع الطلبة و الطالبات في فصل يضيق من عبأ ما يحمل حيث إن عددهم كان يزيد عن الستون طالب في هذا الوقت و بدأت أسأل عن اهتماماتهم و أحلامهم التي يريدون تحقيقها في المستقبل البعيد هكذا كان يصنع معنا مدرسينا في الماضي و كانت تنطلق وقتها من عقولنا سيل من الأحلام المتدفقة الواثقة من إمكانية تحقيقها في المستقبل ولكن يومها التبس علي الأمر فقد وجم الطلاب و لم يجدوا ما يقولونه حتى تشجع احدهم و اخبرني انه يتمنى أن يستيقظ يوم فيجد مبنى المدرسة قد اختفى تماما فهو لا يدري لما يأتي إلى المدرسة , يعمل مع أبيه في الأرض طوال اليوم ثم يأتي إلى المدرسة و يعود ليكمل عمله مرة أخرى, لحظتها أنطلق الباقون يذكرون أعمالهم الأصلية نجار ,مبيض محاره ,صبي على عربة ميكروباص الخ من الأعمال التي يضاف إليها عبأ المدرسة الثقيل مع أختفاء الأمل في أن المدرسة ستعطيهم غدا مختلف , أما الطالبات فيأتين المدرسة بانضباط و لا يغيبنا أبدا و يقومنا بأداء واجبا تهن ليستمر حضورهن إلى المدرسة و لا يتعلل إباءهن بشكوة المدرسين فيبقيهن في البيت لقضاء الحوائج المنزلية و انتظار العريس الذي سيريحه من عبأهن و قد قررن البنات انتظار هذا العريس أثناء ذهابهن إلى المدرسة ليس لأنهن راغبات في العلم و المستقبل المشرق الذي تمنحه المدرسة فهن فاقدات الأمل و الحلم مثل ألصبيه و لكن هربا من شقاء العمل بالمنزل بحجة المدرسة وسط هذا الطوفان ربما تجد اثنان أو ثلاثة يردن سماع ما تقول بعقول مشوشة مضطربة تريد ان تحلم لكنها غير واثقة من جدوى الحلم و في دائرة الحوار الشائك و محاولة تفهم هذه الهوه العميقة بين عالم أحياه بعيدا و عالمهم الذي اقتحمني دون وعي مني بحقيقة ما يدور داخله , قام احدهم ليسأل و تنبهت حواسي لسماع سؤاله الذي لم أستطع استيعابه الا بعد فترة طويلة من عملي بالمدرسة فقد كان يسأل عن مواعيد المجموعة المدرسية و كأنه يقول لي كفاك ثرثرة و لهو بعقولنا و هاتي من الآخر .
مدير المدرسة كان أستاذي و أنا طالبة بالمرحلة الإعدادية , ظللت من لحظة استلامي للعمل أعامله معاملة الطالب لأستاذه حتى توالت أحداث استدعت التغيير ,كان يستيقظ وقت صلاة الفجر ليصليها في الجامع ثم يتوجه الى المدرسة ليكون اول الحاضرين بها , يتكلم كثيرا عن الارزاق التي بيد الله و كفاحه الدائم لينجوا باولاده بعيدا عن مهنة التدريس وكيف انه نجح في تحقيق هذا الحلم و اصبح الان ابنه الاكبر طبيب و ابنته في كلية الهندسة ,يحكي عن سنوات خبرته الطويلة بالمدرسة, يفيض عليك بطيبته و الابوة التي تشع من كلماته, ما أضعف بريق الكلمات حين توضع على ارض الواقع , و هذا ما حدث حين جاء ولي امر يعمل ضابط بالشرطة يتطاير الشرر من عينه و امسك بزميل لنا و اخذ يوسعه ضربا و مدير المدرسة يقف بعيد لا يحاول التدخل او حتى المحافظة على مركزه الذي اهدره هذا الرجل بتعديه على احد مرؤوسيه اثناء تأدية و ظيفته و اقتحامه المدرسة دون اذن منه , وقفنا جميعا لا نحرك ساكن تشل اقدامنا المفاجئة ,حتى تحرك احد الزملاء ليفض النزاع, لحظتها تدخل مدير المدرسة و اخذ ولي الامر داخل مكتبه ليهدئ من روعه تاركا المدرس المعتدى عليه بيننا و نحن لا ندري ماذا يمكن ان يقال؟ و ما اسباب كل ما حدث؟, يومها اخبرنا المدرس ان ابن هذا الرجل دائم التطاول عليه في الفصل و قد اخبر مدير المدرسة عنه فلم يحرك ساكن فأضطر الى ضربه و إخراجه من الفصل , و برغم اني رأيت مدير المدرسة يعاقب طلاب كثيرون بالضرب لأسباب أخرى تافهة منها عدم دفع الفلوس الخاصة بالمجموعة المدرسية الا انه لم يحاول حتى استدعاء و لي أمر هذا الطالب لإخباره بسلوك ابنه داخل الفصل أو حتى تحويلة الى الاخصائية الاجتماعية لمعرفة أسباب هذا السلوك الغير سوي .
بعد ذهاب ولي الامر جمعنا المدير ليحكي لنا كيف انه عندما يوقف ضابط الميكروباص الذي يركب به بجوار السائق يترك مكانه فورا له و يعود الى الخلف , لأنه لو ساقته الأقدار إلى القسم و مثل بين يدي هذا الضابط سيعامله كالمسجلين خطر و لن يعمل لسنه ومركزه أي حساب , هو يعلم جيدا ان مناصب التربية و التعليم لا تمثل أي أهميه و لا يعيرها احد أي احترام
يومها لم نستطع استيعاب ما يقول فقد كنا جميعا حديثي التعيين و قررنا الامتناع عن العمل حتى يأتي هذا الرجل ليعتذر لزميلنا و يعيد له اعتباره و في اليوم التالي جاء احد أقاربه و لم يعتذر لزميلنا بالمعنى الواضح و قبل الزميل هذا أسوة بالمدير الذي اخبره أنه لا داعي للتشبث بحضور الأب فقد ضربت ابنه و هذا يعرضك للمسئولية و جميع من يقف إلى جوارك ألان إذا ذهب إلى القسم لن يشهد معك ضد ضابط و للأسف قد يكون فعلا على صواب .
في نهاية هذا العام الملئ بالصدمات جلست مع زملائي لتصحيح أوراق الامتحان و جاء وكيل المدرسة و رئيس الكنترول ليخبرنا انه لا يريد النتيجة اقل من 50% (خلى السنة تعدي على خير مش ناقصة تحقيقات و استجوابات تنتهي بجزاء اكبر مما تحصل عليه نظير عملك اليومي بالمدرسة) لم استوعب لحظتها ماذا يعني بتلك الكلمات حتى رأيت احد الزملاء يمسك قلم ازرق بجوار القلم الأحمر و يخط الإجابات في بعض الأوراق ثم يقوم بتصحيح إجاباته, لم استطع تحمل هذا الأمر ألا يكفي إننا ندمر عقولهم بمناهج تدعو للغباء و لا تنمي لديهم أي مهارات نضيف على ذلك وضع قيم جديدة مثل أهمية السرقة و التزوير و انه بالرغم من انه لم يجيب شئ في ورقة الامتحان ألا انه نجح بسهوله فما ضرورة ان يبذل مجهود طالما في النهاية سينجح مثل الآخرين الذين أجهدوا أنفسهم باستذكار الدروس طوال العام .
يومها قمت بتسجيل الواقعة في ورقة و قدمتها الى مدير المدرسة الذي احضر زملائي و افتعل ضجة ليوهمني انه يحقق في الأمر الذي انتهى باتهامي بإلقاء الاتهامات الجزافية و أني أريد أحداث شغب و إيذاء زملائي لأنهم يلعبون بعقول طلابي في الفصول التي اعمل بها ليعطوهم مجموعات و دروس خصوصية و أني أريد أن انتقم منهم بهذه التهمه و صاحب هذا الكلام تهديد خفي بأن تلقى هذه التهمه على بدل منهم , رعب شديد سيطر على يومها الزمني الصمت أعوام طويلة من حياتي كنت حالمة أكثر مما ينبغي, طفلة في تقديري للأمور , يأس شديد حولني لسنوات من عمري مجرد موظفة تذهب لتأدية عملها و تعود سريعا إلى بيتها حيث يوجد زوج و طفل ترعاهم و كفى ربما أستطيع أن اصنع من ابني ما عجزت عن صنعه مع الآخرين .
Tuesday, August 18, 2009
الحلم الضائع

دقات التليفون المحمول يعلوا رنينها ,ابحث عنه في كل مكان داخل حقيبتي ,بين أشيائي المبعثرة في كل مكان, امضي معظم يومي في البحث عنها بدل من إنجازها , وجدته أخيرا
من المتصل؟ إنها أختي الكبرى من أبي !, يتسرب صوتها الدافئ الذي يملأ القلب بحضن أمومي لم اشعر به و انا استلقي بين ذراعي أمي القلق دائما , لكنه صوت يشوبه اثار نحيب هذه المره
أسألها: ماذا حدث؟!
اجابتني و هي تبكي بأن ابانا قد توفاه الله, غمغمت ببعض الكلامات الغير مفهومه و عرفت منها انه توفى صباحا و انهم الان في المستشفى لتسلم جثمانه و دفنه .
قالت: ضروري تحضري حالا , احاول جاهده ان انهي المكالمه ببعض العبارات المتداخله ,تصر لابد ان تحضري فورأ, اجيبها كعادتي عندما اقطع على نفسي وعودا لن انفذها ايوه, اكيد, طبعا هاجي بدون أي كلمات يشوبها تحديد لموعد الحضور لم اكن وقتها افعل ذلك عن وعي برغبتي في الفرار ,حتى رأيت أمامي صوره مماثله من البشر الذين يحترفون فن الفرار ,عرفت يومها كم هو مؤلم ان ترى صورتك في مرآة أخرى .
ما العمل الان لا يوجد سوى فراغ لا نهاية له( ابيك توفاه الله) ,( لابد ان تحضري) , كلمات احاول جاهده ان استوعب معناهه دون جدوى ابحث عن دموع تملا القلب و تفيض من العينين , لاشئ هل سأذهب حقا ؟ لا اجد جواب , اكملت يومي, لم الغي أي موعد من مواعيد عملي اكملتها حتى النهاية, ضحكت مع زملاء عملي, امضيت يوما مثل باقي الايام لا يعكر صفاءه الروتيني سوى سؤال واحد ظل يتردد داخل جدران عقلي المغلق دائما على ذاتي (كلمة توفاه الله هذه تعني انه لم يعد موجود؟ هل تعني ان حلم العوده لم يعد له مكان في هذه الحياه؟ .أسير كالمسحورة, أدير مفتاح شقتي الاحظ ان هناك رجل قابع داخل البيت, من هذا الرجل؟سؤال اخر بدأ يزاحم الاول و يحدث ضجيج أقوى من سابقه ,حلم ضائع اخر! حبيب! زوج! أي مسمى يحمله الان؟ منذ سنوات عديده طوقت اصبعي بخاتمه و قلبي بحلم الدفئ و الامان بين ضفتي ذراعه, لكن عبث حاولت, لم يرى تلك الطفله المزعوره التي تسكن داخل جسد أمرأة مكتملة الانوثه, تحمل جمال تصارع عليه شباب بلدتنا حتى فاز هو به و انتهى الامر , اخبرته دون وعي او اهتمام ابي توفي و سوف اذهب الى العزاء, ظهرت بعض علامات الجزع و الاهتمام على وجهه و بدأ يعرض خدماته و تطوعاته الواهيه ,لم يتحمس ابدا لظهور هذا الاب المفاجئ, اظن لا يعنيه كثيرأ اختفائه كما كان في السابق ,لم اسمع مما قال شئ ,أخبرته أني ذاهبه وحدي , عاد الى سكونه مره اخرى يدير قنوات التليفزيون دون اكتراث كم تمنيت لحظتها ان يتلقفني بين ذراعيه ان يقول لي انا ابيك يا صغيره لا تجزعي فانا من سيبقى معك ما تبقى لنا من عمر , لكنه لم يقول شئ , ارتديت السواد و ذهبت , حيث يتقبل اهل هذا الاب المزعوم العزاء, هل مات حقا اليوم؟ ام ميت هو منذ زمن؟ , وهناك كنت امد يدي احيانا لتقبل العزاء ,و احيانا اخرى اقدم جسدي كله ليواسيني أحدهم, لما كل هذا التعاطف و من كل هؤلاء البشر عمي , عمتى , ابن عمي , ابنت عمي اين كانوا كل هؤلاء و لم هم موجودن الان ربما لانه لم يعد موجودا .
اجلس ساهمه بينهم جميعا تعود الي ذكرى ذلك المسن الملقى على سرير في مستشفى تمزق اهاته نياط قلبي تنهمر دموعي و تتلصص اذني لكل ما يهذي به, هذه انا فتاته الصغيره صاحبة اجمل عيون تبعث الحياه مازال يذكر بريقهما و هذه اختى الصغرى جنين يولد على لسانه و لا تراه عينه ابدا ما يزال يذكرنا لما فر بالذكرى تاركا اصحابها بلا دفئ , بلا امان .
رايته مره واحده في صغري الواعي تجلس اختى على رجليه يهدهدها, تلك الجلسه التي عوقبت عليها طوال سنوات عمرها التي تلتها , بينما انا ظللت اللهو بعيدا استرق النظر من بعيد يطوق جسدي الى ذراعيه ,اخشى , ان افقدهما مره اخرى أوثر سلامة الفقد الاول على لوعة الفقد للمرة الثانية ,يحاول التقرب لي ابتعد اكثر من يدريني انك ستعود لزيارتنا مرة اخرى ,ظل الفخر بأني اخترت امي و رفضته يجري على لسان كل من عاقب اختى على جلوسها على رجليه و ظللت نادمه اني لم القي بنفسي بين ذراعيه عله بقى و لم يرحل , سنوات عمر طويله ابحث عن دفئه بين البشر لكن دون ان أجده , ذهب الان بلا رجعى , لن يعود؟ لم يعد هناك جدوى من الانتظار ؟
انفض رأسي بقوه لا هو لم يمت, اباهن تلك الاخوات هو الذي مات , لكن ابى لابد يوما عائد كيف احيا بدون انتظاره ماذا على ان افعل الان ابكي و انتحب مثلهن حتى يواريه التراب و ينتهي الامر لا سوف انتظره عمري كله, سيأتي يوما يملأ قلبي دفئ و يزيح عني قلق السنين و خوفها , و لكن متى هذا اليوم ؟


